حبيب الله الهاشمي الخوئي
23
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
وخير ما اكتسب من الدّنيا ما أصابه العباد الصالحون منها من التقوى ومن يقس الدّنيا بالآخرة يجد بينهما بعيدا ( بونا بعيدا - ظ ) . واعلم يا معاوية أنّك قد ادّعيت أمرا لست من أهله لا في القديم ولا في الحديث ولست تقول فيه بأمر بيّن يعرف له أثر ولا عليك منه شاهد ولست متعلَّقا باية من كتاب الله ولا عهد من رسول الله صلَّى الله عليه وآله فكيف أنت صانع إذا تقشّعت عنك غيابة ما أنت فيه من دنيا قد فتنت بزينتها ، وركنت إلى لذّاتها ، وخلَّى بينك وبين عدوّك فيها ، وهو عدوّ كلب مضلّ جاهد مليح ملح مع ما قد ثبت في نفسك من حبّها دعتك فأجبتها ، وقادتك فاتّبعتها ، وأمرتك فأطعتها فاقعس عن هذا الأمر ، وخذ أهبة الحساب فإنّه يوشك أن يقفك واقف على ما يخبيك مجن . ومتى كنتم يا معاوية ساسة الرعية ، أو ولاة لأمر هذه الامّة بلا قدم حسن ، ولا شرف تليد على قومكم فاستيقظ من سنتك وارجع إلى خالقك ، وشمّر لما سينزل بك ولا تمكَّن عدوّك الشيطان من بغية ( بغيته - خ ل ) فيك مع أنّي أعرف أنّ الله ورسوله صادقان نعوذ باللَّه من لزوم سابق الشقاء وإلَّا تفعل فانّي أعلمك ما أغفلت من نفسك أنّك مترف قد أخذ منك الشيطان مأخذه فجرى منك مجرى الدّم في العروق ، ولست من أئمّة هذه الامّة ولا من رعاتها . واعلم أنّ هذا الأمر لو كان إلى النّاس أو بأيديهم لحسدوناه ، ولا متنّوا علينا به ، ولكنّه قضاء ممّن منحناه واختصّنا به على لسان نبيّه الصادق المصدّق لا أفلح من شكّ بعد العرفان والبيّنة ربّ احكم بيننا وبين عدوّنا بالحقّ وأنت خير الحاكمين . فكتب معاوية إليه الجواب من معاوية بن أبي سفيان . . . . ولا تفسد سابقة جهادك بشره . . . . ولا تمحص سابقتك بقتال من لا حقّ لك . . . . فاقرأ السورة الَّتي يذكر فيها الفلق وتعوّذ من نفسك فانّك الحاسد إذا حسد . اللغة « تكشّفت عنك » أي ارتفعت وزالت عنك و « انقشعت » و « تقشّعت » بمعنى انكشفت وتكشّفت يقال : انقشع السحاب وتقشّع أي زال وانكشف .